تستعد الحكومة لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، من خلال تعبئة غلاف مالي أولي يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، في خطوة تستهدف تقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المحلية. كما تعتزم رفع التحويلات السنوية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من السنة المالية 2027.
وكشفت الدورية التي وجهها رئيس الحكومة بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أن هذه البرامج ستستند إلى تشخيص ترابي متعدد الأبعاد، يرصد حاجيات كل جهة وإقليم في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي، مع تحديد نقاط القوة والضعف بما يتيح توجيه الاستثمارات وفق الأولويات المحلية.
وتتبنى الحكومة مقاربة تخطيطية تمتد إلى ما بعد الولاية التشريعية، من خلال إرساء منظومة جديدة للحكامة والتتبع. وستتولى لجان محلية، برئاسة العمال أو الولاة وعضوية المنتخبين والمصالح اللاممركزة، إعداد البرامج وتتبع تنفيذها، إلى جانب التشاور مع الساكنة المستفيدة. كما ستتكفل لجنة جهوية برئاسة والي الجهة بتجميع برامج العمالات والأقاليم وضمان انسجام المشاريع، في حين ستشرف لجنة وطنية يرأسها رئيس الحكومة على التنسيق العام، وتعبئة التمويلات، والمصادقة على البرامج، وتقييم آثارها.
وفي إطار تعزيز الشفافية، يرتقب إطلاق منصة رقمية تتيح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين الاطلاع على ميزانيات البرامج، ومراحل تقدم الأشغال، ووضعية تنفيذ المشاريع، بما يعزز آليات التتبع والمساءلة.
وتستهدف هذه الاستراتيجية أكثر من 1200 جماعة قروية و140 مركزاً قروياً يقطنها ما يزيد على 17 مليون نسمة، عبر برنامج تبلغ ميزانيته 50 مليار درهم، إلى جانب برنامج موازٍ لتأهيل 542 مركزاً قروياً يضم نحو 60 في المائة من سكان العالم القروي.
وتقوم فلسفة الإصلاح على تعزيز دور الجهات باعتبارها فاعلاً رئيسياً في التنمية، بدلاً من الاكتفاء بدور المستفيد من التحويلات المالية. ولهذا الغرض، تعتزم الحكومة تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تعتمد نموذجاً تدبيرياً أكثر مرونة، مع الحفاظ على طابعها العمومي.
كما تشمل الإصلاحات مراجعة توزيع الاختصاصات بين الدولة والجهات، عبر توجيه تدخلات هذه الأخيرة نحو دعم الاستثمار المنتج، وتحفيز المبادرة المقاولاتية، وإدماج التنمية الرقمية ضمن اختصاصاتها، فضلاً عن المساهمة في إحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية وإنعاش الأنشطة غير الفلاحية بالمجال القروي.
وفي سياق متصل، أكد البرنامج الحكومي مواصلة جهود إعادة بناء وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز، حيث بلغت الدفوعات المعبأة إلى غاية يونيو 2026 نحو 8.02 مليارات درهم. واستفادت 63 ألفاً و786 أسرة من المساعدات الاستعجالية الشهرية بقيمة 2500 درهم، بكلفة إجمالية بلغت 2.52 مليار درهم، فيما حصلت 5751 أسرة على مساعدات إعادة البناء المحددة في 140 ألف درهم، بغلاف مالي وصل إلى 759.7 مليون درهم.
كما استفادت 52 ألفاً و240 أسرة من دعم تأهيل المساكن غير الصالحة للسكن، المحدد في 80 ألف درهم، بكلفة إجمالية بلغت 3.98 مليارات درهم، بينما رُصدت 6.42 مليارات درهم للمشاريع الاستعجالية الخاصة بإعادة تأهيل البنيات التحتية. ومن المرتقب أن تتواصل خلال سنة 2027 مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب تأهيل الأسواق الأسبوعية وإحداث منشآت جهوية لتخزين الاحتياجات الأساسية.
أما في ما يتعلق بالمناطق المتضررة من الفيضانات، فقد بلغت الكلفة الإجمالية للبرنامج الممتد بين سنتي 2024 و2026 نحو 3 مليارات درهم، خُصص منها 300 مليون درهم لتقديم مساعدات استعجالية بقيمة 6000 درهم لفائدة حوالي 50 ألف أسرة. كما رُصد 105 ملايين درهم لإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية المتضررة، و225 مليون درهم لتنظيف وإصلاح البنيات التحتية، إضافة إلى 2.37 مليار درهم لدعم الفلاحين، وإصلاح المنشآت، وتعزيز مشاريع الحماية من الفيضانات.
وتعكس هذه الإجراءات توجه الحكومة نحو إرساء نموذج جديد للتنمية الترابية، يقوم على التخطيط بعيد المدى، وتقوية الجهوية، وربط الاستثمار العمومي بحاجيات المجالات الترابية، مع إيلاء أهمية خاصة لتعزيز الشفافية، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع، والرفع من نجاعتها الاقتصادية والاجتماعية.