دعا محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى التعامل مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة المحتلة وما خلفته من ضحايا من منطلق إنساني بالدرجة الأولى، بعيداً عن الحسابات والمزايدات السياسية، مؤكداً ضرورة مواساة أسر الضحايا واستحضار حجم المأساة التي عاشتها عائلات فقدت أبناءها.
وقال شوكي، اليوم الاثنين، خلال استضافته من طرف مؤسسة الفقيه التطواني، إنه “يجب أن نتحدث اليوم كبشر أولا، وليس كسياسيين”، مشدداً على أنه “لا يمكن إلا أن نتألم مع الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن”. وأضاف: “أنضم إليكم جميعاً في الترحم على الضحايا وتقديم التعازي إلى الأسر التي فقدت فلذات أكبادها”.
وشدد رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار على ضرورة التحلي بالمسؤولية خلال هذه اللحظات، والابتعاد عن توظيف المأساة في الصراع السياسي، قائلاً إنه “لا ينبغي أن نجعل من هذا الشباب حطباً ووقوداً للساحة الانتخابية..
وانتقد شوكي ما اعتبره استغلالا سياسياً لأحداث من طرف بعض الفاعلين، خصوصا من خلال توجيه الاتهامات إلى جهة سياسية بعينها، وقال: “مع الأسف، رأينا أن بعض كهول السياسة استغلوا هذه الفرصة من أجل الشخصنة وتوجيه الاتهامات إلى مكون سياسي واحد أو مسؤول سياسي واحد”.
وأوضح أن قضايا الشباب والهجرة تتجاوز عمر حكومة واحدة أو مسؤول واحد، مؤكداً أن المرحلة الحالية تستدعي المواساة أكثر من المزايدات. وأقر، في المقابل، بأن حزب التجمع الوطني للأحرار جزء من الطبقة السياسية، وبالتالي لا يمكنه التنصل من مسؤولياته، مؤكداً أن الحزب يتعامل مع الموضوع باعتباره مسؤولية سياسية ومجتمعية مشتركة.
وفي محاولة لتفسير خلفيات الأحداث، دعا شوكي إلى استحضار عدد من التحولات والظواهر السوسيولوجية التي قال إنها ساهمت في بروز ظاهرة الهجرة بهذا الشكل.
وأشار إلى تنامي ظاهرة التجمهر لدى فئة من الشباب، معتبراً أن حجم الهجرة يرتبط، من بين عوامل أخرى، بعمليات التجييش والتغرير التي تقوم بها جهات، قال إن من بينها أشخاصاً يوجد بعضهم خارج المغرب وشبكات تنشط في الاتجار بالمهاجرين.
واعتبر أن قابلية بعض الشباب للانخراط في هذه التجمعات ساهمت في تضخم حجم محاولات الهجرة، وهو ما أدى، بحسبه، إلى وقوع المأساة التي شهدتها المنطقة.
كما توقف رئيس الأحرار عند ظاهرة سوسيولوجية ثانية تتمثل، وفق قراءته، في تراجع مستوى الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن لدى بعض المغاربة، مؤكداً أن الرغبة في الهجرة من أجل تحسين مستوى العيش أمر مفهوم، لكن الإشكال يكمن، حسب قوله، في الشباب الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة البلاد بحثاً عن آفاق أفضل.
وشدد شوكي على أن ظاهرة الهجرة ليست وليدة اللحظة، مستشهداً بدراسات قال إنها تشير إلى ارتفاع عدد المهاجرين في الدول ذات الدخل المتوسط والمتدني، ومن بينها المغرب، بنسبة 112 في المائة، فيما سجل المغرب، بحسب المعطيات التي أوردها، ارتفاعاً بنسبة 174 في المائة.
واستحضر رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار تجربته الشخصية في هذا السياق، مشيراً إلى أنه كان مهاجراً، وأن المدرسة العمومية المغربية مكنته من المسار الذي قاده إلى العمل في مؤسسة وطنية قبل الهجرة، فيما ساهم النمو الاقتصادي في المغرب، وفق روايته، في تمكينه من العودة إلى البلاد وتأسيس مقاولة.
ومن هذا المنطلق، رفض شوكي اختزال أسباب الهجرة في مسؤولية شخص أو حكومة بعينها، قائلاً إن «هؤلاء أبناؤنا»، وإن جاذبية الخارج ما تزال قائمة، سواء من الناحية الاقتصادية أو السوسيولوجية.
وأشار إلى أن بعض الشباب يعترفون بوجود فرص للشغل في المغرب، غير أنهم يعتبرون أن مستوى الأجور لا يوفر لهم ما يكفي من مقومات العيش، بينما يتحدث آخرون عن انسداد الأفق.
وفي السياق ذاته، لفت شوكي إلى مفارقة تتمثل في وجود قطاعات اقتصادية تعاني من نقص في اليد العاملة، في الوقت الذي يتحدث فيه جزء من الشباب عن صعوبة الولوج إلى سوق الشغل.
وربط المتحدث ذلك أيضاً بتحول نظرة المجتمع إلى العمل، معتبراً أن قيمة العمل كقيمة مجتمعية بدأت تتراجع، وأن الشباب الحالي لم يعد يقبل العمل بالطريقة نفسها التي كانت سائدة في السابق.
واعتبر أن الأمر لا يقتصر على المغرب، بل يشكل ظاهرة عالمية، في ظل تغير تطلعات الشباب وتأثرهم بأنماط جديدة من تحقيق الدخل، من بينها العملات الرقمية والتجارة الإلكترونية، وهو ما يستدعي، في نظره، فتح نقاش مجتمعي أوسع حول قيمة العمل والتطلعات الاقتصادية والاجتماعية للأجيال الجديدة.
وأكد شوكي أن حزب التجمع الوطني للأحرار “لا يتنكر لمسؤولياته”، مشيراً إلى أن الحزب أصدر بلاغاً عبّر من خلاله عن موقفه من الأحداث، وأنه مستعد للنقاش بشأنها «من دون أي حرج’.
وأشاد، في المقابل، بطريقة تعامل مختلف مكونات الدولة المغربية مع الحدث، معتبراً أن التدخلات تمت «بكثير من المهنية»، وساهمت في الحد من حجم الخسائر والضحايا.
كما اعتبر أن الدبلوماسية المغربية أصبحت شريكاً موثوقاً في ملفات الأمن والاستقرار والهجرة، في سياق إقليمي ودولي تتداخل فيه هذه القضايا بشكل متزايد.
وفي ختام حديثه، دعا رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار إلى اعتماد سياسات عمومية أفقية موجهة إلى الشباب، على أن تشمل مجالات التعليم والتشغيل والترفيه والخدمات الاجتماعية.
وشدد على أهمية معالجة ظاهرة الهدر المدرسي، التي قال إنها تساهم في ارتفاع أعداد الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والعمل، المعروفين اختصاراً بفئة «NEET»، إلى جانب ضرورة ملاءمة التكوينات والدراسات العليا مع حاجيات سوق الشغل.
كما دعا إلى الاهتمام بالترفيه والخدمات الاجتماعية الموجهة إلى الشباب، مشيراً إلى مبادرات قال إن الحكومة الحالية أطلقتها في هذه المجالات، فضلاً عن تركيزها على التشغيل.
وفي السياق الانتخابي المرتقب، كشف شوكي أن حزب التجمع الوطني للأحرار عرف نقاشاً داخلياً وصفه بالمسؤول، هدفه فهم هواجس المواطنين والشباب، والعمل على تجويد البرنامج الانتخابي للحزب خلال المرحلة المقبلة.
وبذلك، حاول رئيس الأحرار تقديم مقاربة تتجاوز تحميل المسؤولية السياسية المباشرة لطرف واحد، واضعاً أحداث سبتة في سياق أوسع يرتبط بتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وبالحاجة إلى سياسات عمومية طويلة النفس لمعالجة أسباب الهجرة وتحديات الشباب.